عبد الرحمن السهيلي

38

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

عن الزهري ، أنه كان يصلي بأصحابه هنالك ، حتى لحق بهم أبو جندل بن سهيل فقدموه ، لأنه قرشي ، فلم يزل أصحابه يكثرون ، حتى بلغوا ثلاثمائة ، وكان أبو بصير كثيراً ما يقول هنالك : الله العلي الأكبر ، من ينصر الله فسوف ينصر ، فلما جاءهم الفرج من الله تعالى ، وكلمت قريش النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤويهم إليه لما ضيقوا عليهم ، ورد كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بصير في الموت ، يجود بنفسه ، فأعطي الكتاب فجعل يقرأ ويسر به ، حتى قبض والكتاب على صدره ، فبني عليه هناك مسجد يرحمه الله . قبول الله عمرتهم : وفي الحديث من غير السيرة أن المسلمين حين حلقوا في ذلك اليوم ، وهم بالحل قد منعوا أن يدخلوا الحرم جاءت الريح ، فاحتملت شعورهم حتى ألقتها في الحرم ، فاستبشروا بقبول الله عمرتهم . ذكره أبو عمر . والعمرة مشتقة من عمارة المسجد الحرام وبنيت على فعلة ، لأنها في معنى قربة ، ووصلة إلى الله تعالى ، وليس قول من قال : إنها الزيارة في اللغة يبين ، ولا في قول الأعشى حجة لهم لأنه محتمل التأويل وهو قوله : وجاشت النفس لما جاء فلّهم * وراكبٌ جاء من تثليث معتمر من حديث أبي بصير : فصل : ومما يسأل عنه في حديث أبي بصير قتله الرجل الكافر ، وهو في العهد : أكان ذلك حراماً أم مباحاً له ، وظاهر الحديث رفع الحرج عنه ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثرب ، بل مدحه ، وقال : ويل أمه محش حرب . فإن قيل : وكيف يكون ذلك جائزاً له ، وقد حقن الصلح الدماء ؟ قلنا : إنما ذلك في حق أبي بصير على الخصوص ، لأنه دافع عن نفسه ودينه ، ومن قتل دون دمه فهو شهيد ، وإنما لم يطالبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية . ولأن أولياء المقتول لم يطالبوه ، إما لأنهم كانوا قد أسلموا ، وإما لأن الله شغلهم عن ذلك ، حتى انتكث العهد ، وجاء الفتح . فإن قيل : فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدي من قتل خطأً من أهل الصلح كما ودى العامريين وغيرهما قلنا : عن هذا جوابان ، أحدهما : أن أبا بصير كان قد رده إلى المشركين ، فصار في حكمهم ، ولم يكن في فئة المسلمين وحزبهم ، فيحكم عليه بما يحكم عليهم . والجواب الثاني : أنه إن كان قتل عمداً ، ولم يكن قتل خطأ ، كما كان قتل العامريين ، وقد قال عمر بن الخطاب : لا تعقل العاقلة عمداً ولا عبداً ولا صلحاً ولا اعترافاً . من مواقف عمر في الحديبية : فصل : وقول عمر للنبي صلى الله عليه وسلم : ألم تعدنا أنا تأتي البيت ، ونطوف به ؟ فقال : نعم ، وذكر الحديث . كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أري ذلك في منامه ، ورؤيا الأنبياء وحي ، ثم أنزل الله تعالى : « لقد صَدَقَ اللّه رَسُولَه الرُّؤْيا بالحَقِّ » الفتح الآية ويسأل عن قوله : إن شاء الله آمنين : ما فائدة هذا الاستثناء ، وهو خبر واجب ؟ وفي الجواب أقوال : أحدها : أنه راجع إلى قوله : آمنين ، لا إلى نفس الدخول ، وهذا ضعيف ، لأن الوعد بالأمان قد اندرج في الوعد بالدخول . الثاني : أنه وعد على الجملة ، والاستثناء راجع إلى التفصيل ، إذ لا يدري كل إنسان منهم : هل يعيش إلى ذلك ، أم لا ، فرجع الشك إلى هذا المعنى ، لا إلى الأمر الموعود به ، وقد قيل : إنما هو تعليم للعباد أن يقولوا هذه الكلمة ، ويستعملونها في كل فعل مستقبل أعني : إن شاء الله . أول من بايع بيعة الشجرة : فصل : وذكر بيعة الشجرة ، وسببها ، ولم يذكر أول من بايع ، وذكر الواقدي أن أول من بايع بيعة الرضوان سنان بن أبي سنان الأسدي . وقال موسى بن عقبة : أول من بايع أبو سنان ، واسمه : وهب بن محصن أخي عكاشة بن محصن الأسدي ، وقال الواقدي : كان أبو سنان أسن من أخيه عكاشة بعشر سنين ، شهد بدراً ، وتوفي يوم بني قريظة ، ويروى أن حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم ابسط يدك أبايعك ، قال : علام تبايعني ؟ قال :